محمد غازي عرابي
877
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
والنبي يجيب ، كما ظهر له تارة أخرى في صورة دحية أجمل الناس وجها ، فالواحد الذي هو الألوهية اقتضى المألوهية أي الصفات ، فظهر الواحد بشيء وفي شيء ، فصار النور المعنوي شيئا يرى بضم الياء . ولقد أوردنا من قبل قول الفارابي في العقل : يكفي أن تعقل شيئا حتى تتحرك قوى الجسم لعمله وإنجازه ، فالواحد الذي هو عقل كلي يريد فتتحرك قوى الوجود ، ومنها القوى التسعة الأرسطية التي سبق الحديث عنها ، لتحقق إرادة العقل ظاهرا فيكون العالم العياني وتكون الحركة فيه . والإنسان صورة الواحد ، ولهذا كان مألوها ، وبين الألوهية والمألوهية صلة لا تنفصم عراها ، لأن الفعل أصلا هو للعقل الكلي كما بينا ، وعليه فالإنسان صورة حية للواحد ، ومجموع هذا الواحد الظاهر هم الناس الظاهرون فتكون الكثرة واحدة من حيث الجوهر والماهية والنوع ، وكثرة من حيث العرض والأجزاء والصفات . والآية تقول : إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ والمعنى يفيد التوحيد الذي لا يقبل الشركة في الملك ، ولهذا سميت هذه السورة الصافات ، وخصت بالحديث عن الملائكة الذين قلنا إنهم معقولات الصافات ، وهي أنوار صرفة صادرة عن الواحد وقائمة به . وفي قصة آدم أن اللّه أمر الملائكة بالسجود لآدم ، ولما كان آدم أبا البشر كما جاء في الحديث ، والنبي أبا الأرواح ، ولما كان إله البشر واحدا ، كانت صورة سورة الصافات متمثلة في شجرة جامعة ، سميت سدرة المنتهى ، أي من المنتهى ، وهذه باطنة ، ويكون النبي ظاهرا صورتها الظاهرة ، وباطنا صورتها الباطنة ، ولهذا أرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الناس كافة ، كما أرسل رحمة للعالمين ، لا لعالم دون عالم ، كما كانت له الشفاعة للناس ، لأن جوهره الواحد لا يقبل الشفاعة فحسب بل يقتضيها ، ذلك لأنه لا يكون عن الواحد إلا واحد ، كما قال ابن عربي : إذا ضربت الواحد في نفسه لم يظهر لك سوى نفسه ، فاضرب أنا في أنا يخرج لك في الخارج هو والمعنى أن طبيعة الألوهية تقتضي الشفاعة ما دامت هي المصدر والمقوم للذر والمحرك للذر في العالمين . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 6 إلى 9 ] إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ( 6 ) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ( 7 ) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ( 8 ) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ( 9 ) [ الصافات : 6 ، 9 ] خصت الآية السادسة السماء الدنيا بزينة الكواكب ، وقالت الآية السابعة إن هذه الكواكب تحفظ الدنيا من الشياطين ، ومعلوم أن الكواكب أبراج ومن أخبار علم الأبراج أن ثمت صلة